jeudi 20 septembre 2018

المطربش الجديد شارلي.. عبد الجبار الحمدي

حُبلى هي أيامه، فمنذ سنين تاه العد فيها أخصيت حياته بغير شرعية أو رضا، لم يعتد الخروج منذ زمن بعيد، فما كان منه إلا أن لبس خمارا غطى به سوءته التي وُصمت عارا عليه، كونه يحمل فكرا تحرريا، أمسك كل مقتطفات أقاويل الهجو والذم رفات، طرز بها كفنه الذي حمله على كفيه، عارضا ذاك الابن المحرم دية لمسوغات براءة، اشتدت به النوائب عصابة رأس، لفها بقوة خوف إخراج أسباب لعنته تلك، فما زالت تلوط الألسن النازحة بأبكار الحياة شراسة، دون النظر إليها، هكذا بررت بِمُسوِغات المتغيرات، فما كان منه إلا أن لبس عباءة الماضي غطاءً لعيوب حديثة، سكن في أسطح منسية، لثمت الرطوبة كل جدران مسكنه قبل حياته، إلا ما أحتفط به رمزا لزمن ولى… الطربوش؟؟ ذاك الذي احتل المساحة الأكبر من رأسه وحياته، فتراه لا ينفك يزدان زهوا متى ما أراد أن يلبسه لكأنه تاج لابن حرام. وفي ذات يوم ودون تردد أو تخطيط مسبق لبس سترته، بعد أن خاط فتقها من تحت الإبطين لأكثر من مرة، وما أن عمد إلى لبسها حتى استقام ظهره رغما عنه، كأنها قولبته ليكون بتلك الهيئة، شعر بضيقها، لكن ما باليد من حيلة فهي كل ما يملك، أما القميص فقد ترنح سكرا من التصاقه بجسد ذو شعر كثيف عميت مساماته منذ فترة عن رؤية ماء لغسلها، لم يأبه لذلك كثيرا، ولا لرائحة إبطيه التي اعتاد فركها ببعض ورود القرنفل الذي يأخذه خلسة من باعة الورد العجوز، تلك التي رَكنت نفسها عند باب مدخل العمارة التي يقطن فيها، لا يرى شكله حين يلبس في المرآة، بل لا يلبس الطربوش إلا حين ينسل نازلا إلى محل الحلاق الذي ينزوي في نفس الزقاق، كعادته يمسك السلم بحذر فقد تهرءت درجاته كأسنان شيخ هرم، لا يعلم متى تسقط، أما جدران فقد أصابها التهاب مزمن من رطوبة فاحت رائحة الموت منها، كان يُمني نفسه أنه شارلي جابلن زمانه، فهو لا يختلف عن تلك الشخصية التي غرزت الانتقاد على كل الفوارق سهاما، غالبا ما ترتد على صاحبها فتقتله لوما أو تقريعا، نزل بعد أن علق عصا يده بواحدة واتكأ على الحائط بالأخرى حتى أن استنشق هواء الزقاق والذي لا يفرق عن رائحة جسده، كأن العالم العلوي يلقي زفيره المنتن إلى ذلك الزقاق، تاركا كل روائح الفساد الآدمي تهاجر من عوالمها لتسكن مقبرة الأحياء الفقيرة، توجه إلى دكان الحلاق، دخل دون أن يعير لصاحبه اي اهتمام، بالمثل عامله الحلاق، فهو معتاد على ذلك منذ ان حلق له ذقنه، لا يعلم منذ متى؟ أمسك بالطربوش نفخ عليه وتذكر رائحة أسنانه، سارع إلى فركه بكم سترته مداعبا كركوشته السوداء، والتي احزنته ساعة تساؤل، لما هي سوداء وليست حمراء مثل لون الطربوش، لا يدري!!؟ لم يكلف نفسه قط.. السؤال، مخافة نعته بالجهل بما يلبس، وضعه على رأسه بحذر كأنه يوزنه بميلان وزاوية هو يراها تعكس شخصيته، وما أن يضعه حتى يتقمص الحياة .. كل الحياة بوابة داعرة لا يدخلها إلا من لبس الزيف وجها كطربوشه، بلل سبابته من لسان لحس الأزمات شواذا عامة، سرح بها شاربه وحاجبيه، زرر سترته بذلك الزر الوحيد المتبرم من عروة ضيقة تخنق مجرى تنفسه، خرج ممسكا بعصاه التي أصابه السل عمرا كئيبا فأمست كقلم رصاص بالكاد يكتب حروف ذات معنى، شرع بالسير إلى عالم الانفتاح الجديد وهو يلبس عنوان قديم، فكان كمن يسمع أسطوانة مشروخة، لا تفهم معاني المفردات التي تغنى بصوت تحشرجت صعودا ونزولا من إبرة في ذراع معوجة، وما أن شعر بتسارع الذباب يتجمع عليه، حتى أخرج مقشته ضاربا تجمعها، مفرقا من شمت روائح أَلِفتها خلال تنقلها على بقايا نفايات، أطل العالم الجديد الصاخب بكل معنى الكلمة، فراح لا يميز أي متاهة دخل فيها، فكل ما يراه يلبس طرابيش من متغيرات العالم الحديث، حتى القديم جدد وأصبح عالما من الموضة، يا الله ما الذي أراه؟؟ كيف سمحت لنفسي أن أعيش في محيط لا يتعدى حواسي الخمس؟!! إن هذا العالم لكبير، كيف لي أن أدخل مسالكه؟ لابد أني سآتيه في صخبه ودوي أنفاسه، تطلع نحو السماء فوجدها غير تلك التي يراها من نافذه مسكنه، فبالكاد كانت تُهمش على انتقادته متى ما أرقه شيطان اللغو، كان لهيئته أثرا بارزا سرعان ما انعكس على تعليقات سارع بها من يراه مستهزءا بشكله، سار ببط مبتعدا عن الارتطام بأحدهم، خوفا من إسقاط طربوشه، سار حتى وصل إلى ركن في تقاطع شوارع، لفتت انتباهه تلك الإعلانات التي تسوق دلالات مستحضرات تجميل، وقبعات ملونة تلبس فوق وجوه مستعارة، والأخرى تُرَغِبك في اقتناء رفاهية مع قلة جهد في عمل، والكثير منها تمجيد لأشخاص رغبوا أن يكونوا أصحاب مناصب، أخذ يدور في مكانه لعدة مرات، فقط ليتسنى له أن يلم بما يراه من عناوين وشعارات، لكن قدميه خارت ارتعاشا من العالم المفتوح على مصراعيه دون قيود، أراد الركون إلى مكان يريح هلع عقله وجسده، إلا أن حالة غثيان مفاجأة جعلته يترنح، كاد الطربوش أن يسقط ولكن… رغم ترنحه سارع إلى المسك به، مُجبرا على فتق سترته وهرب الزر الوحيد من بيت عروته إلى عالم جديد لا يدري أي مصير ينتظره، هرع بعض من المارة على الإمساك به ولملمة شعث هيئته، إلا أنهم سرعان ما أدركوا أنه رجل فقد الزمن ذاكرته، حين تكالبت عليه الأحداث فرمى بالكثير من هم على شاكلته في دهليز يسمى النسيان، حاول استعادة نفسه والتقاط ما أراد نبذه خجلا، بعد أن حبل به هماً، فوجد أن كل شيء تغير إلا الأفكار، فهي لا زالت تتلون وتلبس الحرية عناوين محسوبة، إلا أن مروجيها لا زالوا يلوطون بأبكار الأيام، وخلفهم علقت مقاصل لقطع من يحملها فكر تحرريا، أمسك بطربوشه بقوة، جرى مسرعا نحو زقاقه الأزلي ليعود إلى مصفوفته التي تأقلم معها، وما أن وصل حتى التفت إلى ذلك العالم، ليبصق على أرضه التي حبلت بلقطاء جدد، أخصوا من يمكن له أن يورث قيم الحياة الحقيقية إلى عالم الإنسان الكبير.






via منتديات عالم الزين https://ift.tt/2OBKbh1

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire